السيد صادق الموسوي

116

تمام نهج البلاغة

قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً ، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً ، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً ، وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً . عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِمَفَاتيحِهَا وَخَزَائِنِهَا ، لَا ينَقْصُهُُ ذَلِكَ مِنْ حظَهِِّ مِنَ الآخِرَةِ ( 1 ) ، فَأَبى أَنْ يَقْبَلَهَا ، وَعَلِمَ ( 2 ) أَنَّ اللّهَ - سبُحْاَنهَُ وَتَعَالى - أَبْغَضَ شَيْئاً فأَبَغْضَهَُ ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فحَقَرَّهَُ ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فصَغَرَّهَُ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فينَا إِلّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللّهُ ( 3 ) ، وَتَعْظيمُنَا مَا صَغَّرَ اللّهُ ( 4 ) ، لَكَفى بِهِ شِقَاقاً للهِّ ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللّهِ - تَعَالى - . فَلَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ( 5 ) صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ عَلَى الأَرْضِ ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ بيِدَهِِ نعَلْهَُ ، وَيَرْقَعُ بيِدَهِِ ثوَبْهَُ ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ وَيُرْدِفُ خلَفْهَُ . وَيَكُونُ السِّتْرَ عَلى بَابِ بيَتْهِِ فَتَكُونُ فيهِ التَّصَاويرُ ، فَيَقُولُ : يَا فُلَانَةُ ، لإِحْدى أزَوْاَجهِِ ( 6 ) ، غيَبِّيهِ عَنّي ( 7 ) ، فَإِنّي إِذَا نَظَرْتُ إلِيَهِْ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا ( 8 ) . فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بقِلَبْهِِ ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نفَسْهِِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغيبَ زينَتُهَا عَنْ عيَنْهِِ ، لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، وَلَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ، أَوْ ( 9 ) يَرْجُوَ فيهَا مُقَاماً ، فَأخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ . وَكَذَلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إلِيَهِْ ، وَأَنْ يُذْكَرَ عنِدْهَُ . وَلَقَدْ كَانَ في رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّكَ عَلى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا ، إِذْ جَاعَ فيهَا مَعَ خاَصتَّهِِ ، وَزُوِيَتْ عنَهُْ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظيمِ زلُفْتَهِِ . فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بعِقَلْهِِ ، أَكْرَمَ اللّهُ - تَعَالى - مُحَمَّداً صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ أَمْ أهَاَنهَُ .

--> ( 1 ) ورد في دستور معالم الحكم للقضاعي ص 41 . ( 2 ) - لعلمه . ورد في المصدر السابق . ( 3 ) - ورسوله . ورد في نسخة عبده ص 344 . ونسخة الصالح ص 228 . ونسخة العطاردي ص 186 عن شرح فيض الإسلام . ( 4 ) - ورسوله . ورد في المصادر السابقة . ( 5 ) - رسول اللهّ . ورد في نسخة نصيري ص 89 . ونسخة الأسترآبادي ص 218 . ( 6 ) - عائشة . ورد في نهج السعادة للمحمودي ج 2 ص 657 . ( 7 ) - عن عيني . ورد في نسخة نصيري ص 89 . ( 8 ) - زخرفها . ورد في المصدر السابق . ( 9 ) - ولا . ورد في المصدر السابق . ونسخة العام 400 ص 193 . ونسخة الآملي ص 134 . ونسخة ابن أبي المحاسن ص 191 . ونسخة الأسترآبادي ص 219 . ونسخة العطاردي ص 186 . ونسخة الصالح ص 228 .